الأحد، 29 يناير، 2012

براعم تهوي بصمت


نبراس الشباني ...


اليوم ليس كباقي الايام بالنسبة الى أمجد وهو معلم رسم انتقل حديثا إلى مدرسة الأمل وكالعادة أول يوم له يكون للتعرف على زملائه الجدد وعلى طلابه وكما هو معهود أن الانطباع الأول يكون ضروريا وشاملا ، سُعِدَ الطلاب كثيرا لأنهم يحبون مادة الرسم بالإضافة إلى أن معلمهم الجديد يحترمهم ويحبهم لذلك كانوا يتفاعلون بدرسه محاولين إظهار مواهبهم ومهاراتهم إلا أن امجد لم يكن راضيا عن نفسه لأنه لم يستطع كسب جميع الطلبة فقد كان احد طلابه ويدعى محمد لا يشارك إطلاقا في الدرس ويحاول دوما إثارة المشاكل بين زملائه فحاول امجد مساعدته ومعرفة سبب ذلك فاضطر إلى زيارة أهل محمد ومناقشتهم أمر ولدهم ففوجئ بان أبا محمد يذهب إلى عمله صباحا ولا يعود إلا عند حلول المساء فاضطر إلى انتظاره وعند عودته كان مزمجرا حاد الطباع  أما أم محمد فأعمالها المنزلية تلهيها عن ولدها والنظر في مشاكله وعند ذلك أدرك امجد انه لن يقوى على تغير شيء إن لم يقم والدا محمد بإعادة النظر في خط حياتهم العائلية بالإضافة إلى محاولتهم التعويض عن محمد والتحسين من تصرفاته خارج المنزل وداخلها .


يحدث ذلك غالبا في شتى أنحاء العالم بسبب الظروف الاقتصادية والبيئية  فيضطر الزوج إلى العمل لفترات طويلة للحصول على مستوى معيشي مقبول ولتوفير ما تحتاجه العائلة ويبقى المنزل وكل ما فيه من أعباء بالإضافة إلى رعاية الأطفال على كاهل الزوجة هذا إن لم تكن هي الأخرى مضطرة للعمل خارج المنزل لمساعدة زوجها في مصاريفهم العائلية فتزداد المسؤولية المترتبة عليها المصحوبة بانعدام الوقت الكافي للموازنة بين العمل والمنزل والأبناء من قبل كلا الوالدين الذي سيؤدي بالتالي إلى التقصير في المحافظة على التفاهم الأسري والتقرب من الأبناء أكثر فأكثر خلال مراحلهم العمرية ومشاركتهم في كل خطوة يخطونها ودعمهم ليبدءوا مسيرتهم الحياتية بالشكل السليم ، وهذا واقع تعاني منه اغلب بيوتاتنا العراقية على الصعيد الخاص فينتج عن ذلك طفل انطوائي الطباع تكسوه العدائية ضد كل شيء كرد فعل طبيعي لما يلاقيه من إهمال وقسوة داخل الأسرة بالإضافة إلى الظروف البيئية داخل بلدنا حيث تعد الملوثات البيئية كالزئبق والرصاص والالتهابات والفايروسات أرضاً خصبة لنشأة الكثير من الأمراض وتتواجد مثل هذه العوامل بقوة في العراق ربما أكثر من أي بلد آخر بالأخص عند الأطفال فقد لاحظ المستكشفون والخبراء أن العراق يزخر بمرضى التوحد وقد ازداد عدد المرضى بشكل ملحوظ بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وذلك بسبب التلوث البيئي واستخدام الأسلحة المحرمة وكثرة الانفجارات فقد وصل عدد الحالات إلى 75 حالة لكل عشرة آلاف شخص من الأعمار ما بين خمسة أعوام إلى احد عشر عاما .
يأتي هنا دور الأسرة في علاج مرضى التوحد فكلما كانت الأسرة متماسكة يكون العلاج أسهل وأسرع للمرضى المصابين به وكذلك توافر المؤسسات الحكومية التي تهتم بهكذا أمراض فالمعالجة السريعة لهذا المرض تحد منه ويبين لنا أستاذ الطب الباطني في الجامعة المستنصرية رافد الخزاعي علامات هذا المرض حيث يبدأ المصاب بعدم التواصل مع الآخرين مع صعوبة التنفس وملاحظة تغيرات سلوكية عند ذلك المريض وبالإمكان شفاء هذا المرض فهو ليس من الأمراض الوراثية ويسبب هذا المرض إعاقة في النمو تستمر طيلة عمر الفرد وتؤثر على الطريقة التي يتحدث بها الشخص ويقيم صلة بمن هم حوله ويصعب على الأطفال والراشدين المصابين بالتوحد إقامة صلات واضحة وقوية مع الآخرين ، عادة ما يواجه مرضى التوحد ثلاث انواع رئيسية من الصعاب وتعرف هذه الصعاب بالإعاقة الثلاثية ألا وهي صعوبة في العلاقات الاجتماعية وصعوبة الاتصال الشفهي وغير الشفهي مع الآخرين وصعوبة تنمية الخيال ، بالإضافة إلى هذه الثلاثية يعتبر نمط التصرف المتكرر ومقاومة أي تغير والروتين اليومي في اغلب الأحيان صفات مميزة لهذا المرض ، وبالإمكان الحول دون تفاقم هذا المرض ومعالجته حتى يتلاشى حيث يمكن ان يؤثر التعليم المتخصص والدعم المنظم والاهتمام العائلي بصورة فعلية في حياة الشخص المصاب وذلك بمساعدته في زيادة مهاراته وتحقيق أقصى حد من مقدراته عند بلوغ سن الرشد فنكون بذلك علاجا ذاتيا يحد من أي مرض ممكن أن يصيب براعم المستقبل ويحد من نموها ساعين في إنشاء أساس جيد لمستقبل واعد في بلد الحضارات .